الحيل الشرعية
مقدمة
تفشّي الحيل في حياتنا العامّة والعلمية والقانونية والاقتصادية ظاهرة حقيقية يُسعى إلى مكافحتها وكبحها دائمًا قبل وقوعها بإجراءات وقائية في بناء سياسات وأحكام مُحكَمة، وصرامة بعديّة في التدقيق على النتائج، وكما يتحايل الناس على الأنظمة والضرائب والمواثيق والعهود سواءً أكانت بين الدول والشركات أو بين الأفراد وذلك للالتفاف على الممنوعات والتملّص والتهرّب من الالتزامات، فإنه كذلك لم تكن الشرائع ومن يتبعها في منأى عن هذا السلوك.
قبل الحديث عن الحيلة، قال تعالى محذِّرًا من الاقتراب من الحرام في عدة مواضع: (تلك حدود الله فلا تقربوها). وقال ﷺ مبيّنًا أثر التساهل في ذلك: (ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام). ومقتضى هذا الحديث أن من مسالك التحريم: اعتبار الذرائع مراعاة للمقاصد وإن لم يكن المتعبّد قاصدًا ذلك الحرام، وأن «وسيلة المقصود تابعة للمقصود»1.
إن حقيقة التكليف في الشرع إنما هو أمر ونهي، وكل منهما:
- إما "مقصود لنفسه" نظرًا لما يتضمنه من خير أو شر ذاتيّ فيه.
- أو "لغيره" باعتباره طريقًا إلى ذلك المقصود -النوع الأول- بصرف النظر إن كانت الوسيلة في ذاتها مطلوبة أو لا.
والتمييز بين هذه المرتبتين عمليًا في الجزئيات يحتاج إلى اجتهاد ومعرفة في الوجوه وطرق الاستدلال، ومسألة الحيلة من أهم ما يجب التمييز في مراتبها.
تاريخ الحيلة
لا يخفى على القارئ أن من أشهر خصائص اليهود كثرة استعمالهم الحيل، فإنهم حينما حرم الله عليهم صيد السبت وجعلَهُ لهم يوم عبادة، احتالوا في الوسيلة بوضعهم الشِّباك قبل يوم الجمعة لتحقيق مقصد نُهيَ عنه. وكذلك حينما حرّم الله عليهم شحوم البهائم أذابوها كما قال النبي ﷺ: (لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها -أي أذابوها- وباعوها وأكلوا ثمنها).
وقد ذُكرت الحيلة على وجه مشروع وغير مشروع في زمن النبوّة حيث أنه وردت -نصوص خاصّة- أباحت بعض الحيَل، كما ورد عن النبي ﷺ أنه استَعمَلَ رَجُلًا على خَيبَرَ، فجاءَه بتَمرٍ جَنيبٍ -جودة فاخرة- فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أكُلُّ تَمرِ خَيبَرَ هَكَذا؟) قال: لا واللهِ يا رَسولَ اللهِ، إنَّا لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِن هذا بالصَّاعَينِ -من الرديء-، والصَّاعَينِ بالثَّلاثةِ، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ: (لا تَفعَلْ، بعِ الجَمعَ بالدَّراهِمِ، ثُمَّ ابتَعْ بالدَّراهِمِ جَنيبًا). وفي ذلك جواز الحيلة على ربا الفضل، بأن أوصاه ببيع التمر الرديء مقابل نقد، ثم الشراء بثمن النقد تمرًا فاخرًا.
ولكن في سياق المعاملات عمومًا نرى أن الشارع لم يوسّع في شأن الحيلة حينما ضيّق التربّح في كل وجه من أوجه عقود التبرعات مثلًا "كالقرض الحسن الخالي من الفوائد" رغم أنه من أكثر أبواب المعاملات تساهلًا وتوسّعًا في قيوده وضوابطه؛ وذلك لئلا يخرج عن مقصوده التكافلي الذي وضع له. سئل الإمام أبو جعفر الصادق: لم حرّم الله الربا؟. قال: «لئلا يتمانع الناس المعروف». ولو توسّع الشارع في ربا النسيئة وربا القروض، لما أقرض الناس بعضهم بعضًا -وهذا مُشاهد معلوم-2.
الحيلة ومشكلة المصطلح3
تجدر الإشارة هنا الى أن من الحيلة ما وقع الاتفاق على حرمتها وعدم اعتبارها، ولكننا إذا تحدثنا عن أمر الحيلة المُعتبرة قُلنا بأنها: التي مقصدها تغيير حكم شرعيّ، وتكون الوسيلة إلى تغييره مشروعةً لكنها لم توضع لهذا المقصد، فيتخذها المُتحيّل وسيلة إلى قصد المشروع4. أو بعبارة أكثر وضوحًا: (التحيّل بإسقاط حكم شرعي أو قلبه إلى حكم آخر)5.
ويلحظُ في التعريفات السابقة أن محلّ الحيلة التي يدور عليها الحديث تتسم بـ:
١. تعمّد لطلب مقصود محرّم.
٢. محاولة تبديل الحكم المحرّم باستخدام وسيلة مشروعة في ذاتها.
٣. أن هذا الحكم لا ينقلب إلا مع تلك الوسيلة.
٤. العلم بأن الوسيلة في ذاتها لم تُشرع لتحقيق المقصود.
ومفهوم ما سبق أنه إن كانت الوسيلة غير مشروعة في ذاتها فهي محرمة بالاتفاق.
ومسألة الحيلة المعتبرة التي وقع فيها الخلاف من أغمض المسائل وأكثرها دقّة لأن فيها تعمّد سلوك طرق خفيّة يُتوصّل بها إلى الأغراض بحيث لا يتفطّن لوجودها إلا بنوع من الذكاء والفطنة. ولتشابه المصطلح "الذي قد يحمِل وجوهًا مشروعة وأخرى ممنوعة" ببعض المعاني الفاسدة: أدّى إلى توجّه تصحيحيّ للمصطلح "في جهته المشروعة" حيث قال ابن القيم: «ونسميه وجوه المخارج من المضائق، ولا نسميه بالحيَل التي ينفر الناس من اسمها». على ما نصّت القاعدة الشافعية: (المخارج من المضايق). وقال ابن تيمية كاشفًا ومفرِّقًا أن في «تحصيل المقاصد بالطرق المشروعة إليها ليس من جنس الحيَل سواءً سمّي حيلة، أو لم يسمّ، فليس النزاع في مجرد اللفظ، بل الفرق بينهما ثابت من جهة الوسيلة والمقصود»6. فيمكننا القول في النهاية أن الحيَل في عُرف الفقهاء الذين كتبوا في ذم الحيل عند إطلاقاتهم لا يكادون يقصدون إلا الحيل المذمومة شرعًا7.
ومن المهم الإشارة بأن ليس من السهل حتى على الباحثين فهم الحيل الواردة في كتب الحيل وفهم الكتب التي أبطلتها، والتمييز بين ما هو مشروع وغير مشروع. وحساسية المصطلح متوقعة لتحقق مشكلة أكبر منها تتعلق بتحريره نظريًا وتنزيله تطبيقيًا وعمليًا على الفروع وذلك لوجود اضطراب على مستوى الممارسة والتطبيق، ونوع من عدم الوضوح في الرؤية النظرية لمسألة التحيّل في بعض الاجتهادات الفقهية القديمة8.
الحيلة وعلاقتها بالصورية
بدايةً نستطيع فهم الصوريّة بأنه مصطلح واسع ينظر إلى هيكلة العقد ذاته بما يحمله من معنى الإيهام وتلبيس صورة عقد على عقد آخر يقاربه في مظهره ويخالفه في خصائصه، غير أنه لا يلزم تعمد المكلَّف لجعل العقد من العقود الصورية9. أما الحيلة فهي تنظر ابتداءً إلى نوايا المتعاقدين حين إنشاء وتركيب صيغة العقد. ومَن يتناول مسائل الحيلة من الفقهاء للحكم عليها: ستجده يعتبر لوازم ومقتضيات قاعدة "اعتبار المقاصد والمعاني" لوجود النيّة الواضحة للتحليل.
إن لكل من العقود "الصورية"، وعقود الحيلة: ظاهر وحقيقة، ويمرّان عبر مسلك صحيح في "الظاهر"، إلا أن الفرق الجوهريّ بينهما هي أن الحيلة تتضمن النيّة والتعمد باستباحة المحظور بطرق خفيّة غير واضحة في ظاهر العقد من خلال استغلال مشروعية الوسائل، ولذلك؛ من يرى من الفقهاء أن قصد المكلّف من المؤثرات في أحكام العقود غلّظ في شأن الحيلة نظرًا لما تؤول إليه. وعلى كل حال فالتمييز بين المصطلحين شائك ودقيق، ويرجع هذا إلى ما تقدّم من ضبابية في قيود وضوابط الحيَل المشروعة في التطبيقات القديمة.
أقسام الحيل
وعلى هذا نستطيع القول بأن أقسام الحيل ثلاثة:
القسم الأول: الحيل التي لا تهدم أصلًا شرعيًا
وهي الحيل التي يُراد بها إثبات حق، أو دفع باطل، أو الوصول إلى أمر مُباح. وهي حيلة مشروعة بقوله تعالى حينما عذر من تخلّف وعجز عن الهجرة إلى بلاد المسلمين وأقام ببلاد الكفر: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا). فعُلِمَ أن الحيلة التي تخلّص من الحرام مستحبة مأذون فيها. ومنه أيضًا: احتيال يوسف عليه السلام لأخذ أخيه مع عدم المخالفة لشرع ملك مصر فإن الله تعالى قال: (كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ)10.
القسم الثاني: الحيل التي تهدم أصلًا شرعيًا
وهي الحيل المحرمة، كالحيل في إسقاط الواجبات، وتحليل المحرمات، وإبطال الحقوق. ومنها ما أثبته الشرع للمتابيعين خيارًا في عدم الالتزام بالعقد في مجلسهما حتى يتفرّقا؛ ليكون مُلزمًا. إلا أن بعضهم احتال على هذا الخيار. فنبّثه ﷺ وقال: (ولا يحل له أن يُفارقه خشية أن يستقيله).
ومن الحيل الممنوعة:
- العِينَة: وهي بيع السلعة، ثم شراء هذه السلعة مرة أخرى من المُشتري بالتقسيط. فإذا تأمّلنا: وجود الصوريّة والتحايل. فكل عقد منهما جائز، لكنهما حين جُمعا في عقد واحد وسيلة للتحايل على ربا القروض حرُم العقد، بدلالة أن باعث كلا طرفي العقد هو حركة النقد وليس السلعة، فقال النبي ﷺ: (إذا تباعيتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد سلّط الله عليكم ذُلًّا لا ينزعه عنكم حتى تعودوا إلى دينكم). قال ابن عباس مفسٍّرًا هذه الصورة الصوريّة: (دراهم بدراهم متفاضلة، دخلت بينهما حريرة)11.
- شرط البيع عند القرض: وذلك أن يشرط المُقرض للإقراض قرضًا حسنًا: أن يشتري منه أيضًا سلعة -ويزيد عليه في سعرها عمّا في السوق-. ومع أن كلا العقدين جائزين: قرض وبيع. إلا أن في شرط اجتماعهما ذريعة لربا القروض وتحايل لإباحته. وكما يظهر في هذه الصورة ليس ثمّة ستر لعقد صوريّ، بل دخول البيع في المعاملة حقيقيّ لكنه محرّم باعتباره من النفع الذي جرّ نفعًا في قول النبي ﷺ: (كل قرض جر نفعًا فهو ربا).
القسم الثالث: الحيل المختلف في هدمها الأصول الشرعية
وهي الحيلة التي اضطربت فيها الأنظار، وللعلماء في هذا النوع مجال للاجتهاد؛ ولذلك كثُر الخلاف بين العلماء في صوره وفروعه12. ورغم وجود الخلاف في هذه الصورة، إلا أنه لو ثبت أن الحيلة هدمت أصلًا شرعيًا فقد اتفق العلماء على منعها. وكذلك أيضًا: لم يجعل أحد الأصل في الحيَل الجواز ولم يمنع أحد الحيل مطلقًا، بل أجازوا صورًا منها بما تقتضيه المصالح التي هي أعظم في مقصودها من مفسدة الحيلة، فلا «يمكن إقامة دليل في الشريعة على إبطال كل حيلة، كما أنه لا يقوم دليل على تصحيح كل حيلة؛ فإنما يبطل منها ما كان مضادًا لقصد الشارع خاصة»13، ولعلنا نفهم من كلام الشاطبي السابق وجود قاعدة محرِّرةٍ تقول: "يبطُل من الحيل ما كان مضادًا لقصد الشارع، ويجوز منها ما لا يضاد مقاصد الشارع". وإنما كان خلاف الفقهاء في حكم الحيلة الفقهية التي هي عند النظر قد تهدم بعض الأصول الشرعية من جهة ظنيّة، ومنشأ خلافهم فيها مبني على خلافهم في أن الأصل في العقود أهو لظاهر الألفاظ أم للمقاصد الباطنة ومعانيها14.
القول الأول: تحريم الحيل الفقهية
صرّح بأخذ هذا قول المالكية والحنابلة، وبعض الحنفية، ونُسِب إلى أبي حنيفة وصاحبيه14.
وهؤلاء راعوا الحقائق وأن الأعمال بالنيات، وأن ظهور النيّة كافٍ في فساد العقود. وقالوا بأن ما ورد من نصوص أباحت فهي خاصّة لا يُفهم منها تجويز الحيل مطلقًا وفتح باب الذرائع، ولو كان فتحها مشروعًا لم يكن في تحريم الربا حكمة إلا تضييع الزمان وإتعاب النفوس في تحصيل الممنوع بطرق ملتوية، وصار الخطاب والتكليف حينئذ بلا فائدة15.
مستدلّين بأدلة منها ما تقدّم من ذمّ اليهود حين تحايلوا في صيد السبت، وإذابتهم الشحوم ثم بيعها، وقالوا بأن حكم الحيلة لا يتغيّر بتغيّر هيئته واسمه. واستدلوا أيضًا بما ورد من حرمة المسارعة في إسقاط خيار المجلس، فقال ﷺ: (ولا يحل له أن يُفارقه خشية أن يستقيله). وغيرها من أدلة.
القول الثاني: جواز الحيل الفقهية
وهو قول الشافعية والظاهرية، والمعتمد عند الحنفية16.
ورغم أن الحنفية في تأصيلاتهم يقررون اعتبار المقاصد والمعاني في العقود17، إلا أن كثيرًا من تطبيقاتهم خالفت هذا الأصل واشتدّ فيها الاضطراب حتى نُسَب الانتصار للحيل إليهم، وأما المشهور عن الشافعية أنهم نظروا إلى مجرّد "صورة العقد" دون التفات إلى النوايا18، مستدلين بأدلة منها ما تقدّم في جواز الحيلة في ربا الفضل من حديث أبي هريرة في بيع تمر خيبر متفاضلًا فقال ﷺ: (لا تَفعَلْ، بعِ الجَمعَ بالدَّراهِمِ، ثُمَّ ابتَعْ بالدَّراهِمِ جَنيبًا). وقوله تعالى مرخِّصًا لمن لا يجد حيلة في الهجرة: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا). وغيرها من أدلة.
ومن الردود التي ذكرها المحرّمون على الاستدلال بحديث أبي هريرة: أن ربا الفضل جازت فيه بعض صور الحيلة لأن تحريمها في حقيقته تحريم وسائل إلى ربا النسيئة، لا تحريم مقاصد. فإن لم يتوصّل به إلى ربا النسيئة فالحيلة تتوسّع بدلالة النصّ لا بدلالة القياس19. وأن النصوص إنما تُحمل على البيع الحقيقي في كل مراحلها، لا على صورة بيع لا حقيقة لها في نفس الأمر20.
وعلى القول بجواز الحيلة الفقهية، وُضِعت ضوابط لممارستها:
١- عدم التصريح بإرادة التحيّل على الحرام، فإن كان الناظر في المسألة قصد بها نفس الشيء المحرم بإرادة ظاهرة صريحة: كان أولى بالتحريم من الذرائع التي لم يقصد بها عين الربا. ولا يحل للمفتي أن يفتي بالحيل المحرمة، ولا يُعين عليها، ولا يدلّ عليها21.
٢- ألا تتضمن إسقاط حق، أو تحريم حلال، أو تحليل حرام، أو إسقاط قصد مطلوب، وهذا أمر متّفق عليه. ومن ذلك: الحيل في الوسائل التي تتحيّلها البنوك بوجه مشروع، وتُسقط مقصدًا شرعيًا في التيسير على الناس بل تزيدهم تضييقًا، كالتحايل على غرامات التأخير وفرضها على غير المليء. وقد تقرر أن "الوسائل تسقط بسقوط المقاصد"22.
٣- أن يكون الناظر فيها من أهل الاجتهاد والتحقيق، لأن الجاهل بالأصول يكون بعيد الطبع عن أخلاق الشرع، فيُخالف مقتضاه بقصد أو غير قصد. حيث يقول ابن تيمية: «وأظن كثيرا من الحيل إنما استحلها من لم يفقه الشرع»23. ويلزم أيضًا أن يكون خبيرًا حاذقًا في نُظم الاقتصادات العالمية ومنتجات التمويل والأعمال والأوراق في الأسواق المالية، يقول رفيق المصري: «إن بعض الباحثين الذين يوصفون بأنهم باحثون في الاقتصاد الإسلامي كتبوا قبل الأزمة -يعني أزمة الرهن العقاري ٢٠٠٨م- مطالبين بإباحة المشتقات المالية وبيع الديون، ولو بطريق الحيل، ثم ما لبثت الأزمة أن وقعت، وتبين أن المشتقات والديون كانتا من أعظم أسباب وقوعها، فهل يؤتمن هؤلاء الباحثون وأمثالهم على إيجاد اقتصاد إسلامي سليم وفقه مالي صحيح!؟»24.
الآثار المترتبة على الحيلة
وأهمية هذا الأمر تظهر في واقعنا لمن يتعاقد مع مصرف لديها فتوى من هيئة معتبرة تجيز هذه المعاملة، ثم يظهر للعميل فتوى أخرى بمنع هذه المعاملة25، ورغم وجود الخلاف في إباحتها إلا أنها في الجُملة نافذة معتبرة قضاءً متى كان ظاهرها الصحة والجواز في ظاهرها هيكليًا، قال ابن تيمية: «كل عقد اعتقد المسلم صحته بتأويل من اجتهاد أو تقليد مثل المعاملات الربوية التي يبيحها مجوزو الحيل … فإن هذه العقود إذا حصل فيها التقابض مع اعتقاد الصحة لم تنقض بعد ذلك لا بحكم ولا برجوع عن ذلك الاجتهاد»26. مع ثبوت التحريم والفساد على من يدينُ بحرمتها؛ إذ أن الصحة القضائية لا تقتضي الإباحة المطلقة.
من تطبيقات الحيلة
١- التحيّل على غرامة التأخير بإلزام -المُماطل- بالتبرع، بأن يلتزم العميل بالتبرع وصرفها في أوجه البرّ للفقراء والمساكين. والفرق بينها وبين ربا القروض: أن المُرابي إنما اشترط هذه الغرامة يرجو وقوعها لنماء ماله. والبنك الإسلامي إنما اشترط هذا الإلزام ردعًا لا تربّحًا. بدلالة أن البنك يتكبد من الخسائر في أجرة تطهير عوائد هذه التبرعات ويُراعيها في حساب تكلفة التمويل وقياس المخاطر. فهو تحيّل على تغريم المماطل لقول النبي ﷺ: (ليّ الواجد ظلم: يحلّ عرضه وعقوبته). والعقوبة هنا: تعزير بالمال. وتأخر السداد أزمة عالمية دفعت المؤسسات والبنوك لرصد نِسب التخلّف عن السداد، وهو ما دعت لأجله منظمة التعاون الإسلامي عقد دورة لإيجاد حلّ لها. ورغم تحريم المنظمة لهذه الصورة إلا أنه من الخلاف السائغ باعتباره قولًا من أقوال المالكية اختارته مؤسسة (AAOIFI) ومعظم الهيئات في البنوك والمصارف.
٢- المرابحة للآمر بالشراء، وهو عقد ثلاثيّ الأطراف بين مالك للسلعة، والعميل الراغب بشرائها، والبنك. صورة المشكلة: أن البنك لا يستطيع بيع السلعة إلا بعد تملّكها، لأن النبي ﷺ قال: (لا تبع ما ليس عندك). والبنك ليس له إلزام العميل بشراء السلعة قبل نشوء العقد؛ لأن الوعد المُلزم في حقيقته: بيع معلّق على ما يحتمل وقوعه وعدم وقوعه27. ودرءًا للمخاطر القانونية بعدم التزام العميل، والمخاطر الشرعية بالصّوريّة، كان المخرج باشتراط البنك على مالك السلعة الأول أن للبنك خيار رد السلعة لمدة محددة تحقيقًا لمبدأ: (الفصل بين العقدين)، وتحديد هذه مدة في البيع الأول، وعند قبض البنك للسلعة يذهب بها إلى العميل ليتعاقد معه بعقد البيع الإلزامي، فإن لم يلتزم العميل فعَّل البنك حق خيار الرد على مالكها الأول. وهي من أقدم الحيَل في البيوع ووردت عن محمد بن الحسن الشيباني28.
٣- التورق المصرفي المنظّم، وهو شراء السلعة بالأجل، ثم توكيل البائع ببيعها نقدًا على طرف ثالث وتسليم ثمن بيعها للمتمّول. وهي صورة شبيهة بالعينة في مآلها، ويلحظ في هذا العقد: أن المقصود هو حصول نقد معجّل بنقد مؤجل أكثر منه مع عدم قصد السلعة. ولذلك وقع الخلاف فيها وذهب جمهور المعاصرين إلى منعها، وأخذ بهذا القول مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ومجمع الفقه الإسلامي برابطة العالم الإسلامي29. أما معظم اللجان الشرعية للمصارف الإسلامية أباحتها، وهو ما أخذت به مؤسسة (AAOIFI) وقيّدت إباحة التوكيل إذا كان النظام لا يسمح للعميل ببيع السلعة بنفسه إلا عن طريق المموّل نفسه30. واشترط المجيزون إلى تحقق القبض حقيقةً أو حكمًا، وأن يراعى فيها انتقال الضمان في كل مرحلة أثناء العقد، وألا يكون ثمّة مواطأة؛ درءًا لدخوله في بيع العِينة31.
خاتمة
إن الناس إذا رأوا أن العمل من شأنه أن يفضي إلى نتيجة معينة، فسينتهي بهم الأمر إلى قصد هذه النتيجة، ومن طالب الناس بالامتناع عن قصد النتيجة مع علمهم بترتبها على العمل فهو يطالب بما تأباه الفطرة32. وللشريعة أسرار في سد الفساد وحسم مادة الشر لعِلم الشارع بما جُبلت عليه النفوس، ولا يزال الهوى يسري في النفوس حتى يقودها إلى الهلكَة.
ويقول رفيق المصري: «ولا نزال حتى يومنا هذا نعاني من عشعشة الحيل في أذهان الكثير من الفقهاء التقليديين وقلوبهم، حتى صار الفقه عندهم أشبه شيء بالخزعبلات التي تشوه الدين، وكأنهم لم يتعلموا من الفقه كله إلا أبواب الحيل». قال ابن القيم: «لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبَّعَ ذلك فسق وحرم استفتاؤه». وقال النووي قبله: «يحرم التساهل في الفتوى، ومن عُرف به حرم استفتاؤه، فمن التساهل أن لا يتثبت ويُسرع بالفتوى، قبل استيفاء حقها من النظر والفكر (…) ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة، والتمسك بالشُّبَه طلبًا للترخص»33.
وعلى ما سبق: ينبغي على الباحثين والعاملين في المالية الإسلامية والمصارف والبنوك وشركات التمويل والتأمين أن يتّخذوا موقفًا متّسقًا في المنهج البحثي والابتكاري لتطوير المنتجات، وأن يوجدوا بدائل وحلول مغايرة عن الهياكل التقليدية شكلًا وحقيقة، وعلى من اتبّع المنهج الصّوري الذي ينظر إلى مجرد هيكلة العقد أن يعتدل في فتواه، وألا ينصِب الوسائل لليِّ الحرام الذي لا يمكن تحليله بوجه سائغ. فمن تأمل كلام العلماء رأى حدّةً لاذعة في تعاطيهم للمسألة؛ توجب التحرير والتسبيب والدقّة.
الحواشي والمراجع
- إعلام الموقعين، ٥٥٣/٤. انظر: دراسات في قواعد التمويل الإسلامي، نزيه حماد، ص١٤.
- محاضرة في مقاصد الشريعة الإسلامية في المعاملات المالية المعاصرة، أحمد زين العابدين.
- الحيلة في المعنى العام عرّفها الشاطبي بجانبيها المباح والمحرّم: (التحيل بوجه سائغ مشروع في الظاهر، أو غير سائغ، على إسقاط حكم أو قلبه إلى حكم آخر، بحيث لا يسقط ولا ينقلب إلا مع تلك الواسطة، فتُفعل ليتوصل بها إلى ذلك الغرض المقصود، مع العلم بكونها لم تشرع له). الموافقات، ١٠٦/٣.
- انظر: الحيل الفقهية في المعاملات، لعيسى الخلوفي ص٧٧. فقه الهندسة المالية الإسلامية، مرضي العنزي، ص١٢٧.
- الفكر السامي، للحجوي، ٢/١٤٢. ويلحظ هنا تشابهها مع الألفاظ ذات الصلة كـ"الرخصة"، والفرق بين الحيلة المشروعة والرخصة أن الرخصة فيها دليل شرعيّ على إباحتها، خلافًا للحيلة التي يتوصّل إليها بواسطةٍ يجتهدُ في تحقيقها الفقيه.
- الفتاوى الكبرى، لابن تيمية ١٣٤/٦.
- ينظر: الحيل في الشريعة الإسلامية، محمد عبد الوهاب بحيري، ص١٨.
- اعتبار المآلات، عبد الرحمن السنوسي، ٢٧٥. وإشكالية الحيَل في البحث الفقهي، عبد الله القرشي ص١٨٢.
- الصورية في المعاوضات المالية، عبد الحكيم المزروع، ص٢٣.
- فتح الباري لابن حجر، ٣٢٦/١٢.
- أخرجه ابن حزم في المحلى (٤٩/٩).
- مقاصد الشريعة الإسلامية، لابن عاشور ص٣٥٩.
- الموافقات ٣٣/٣.
- فتح الباري لابن حجر، ٣٢٦/١٢، وانظر: إشكالية الحيل في البحث الفقهي، عبد الله القرشي ص١٣-١٤.
- الموافقات، ١٠٩/٣. حاشية الصاوي ٦٢٣/٣. المغني ٤٣/٤. الإنصاف ١٢١/٩. إعلام الموقعين، ١٧١/٣. كشف اللثام، للسفاريني، ٦١٥/٤. وفي نسبة هذا القول إلى أبي حنيفة وصاحبيه وبعض الحنفية تجده مبسوطًا في كتاب عبد الله القرشي السابق ذكره في الصفحات ١٥٧-١٨٢، ولولا ما تقتضيه الأمانة العلمية، ونفاسة تحليله ودراسته للنقول؛ لأحلت إلى المصادر الأصلية التي أحال إليها.
- روضة الطالبين، ١١٥/٥. المنثور في القواعد ٩٣/٢. المحلى ٥٥٤/٧. المبسوط، ٢١٠/٣. البناية شرح الهداية، ٣٨٧/١١.
- ينظر: المبسوط، ٢٣/٢٢. الأشباه والنظائر، لابن نجيم، ص١٧٤.
- ينظر: إبطال الاستحسان مع الأم، ٣١٢/٧. تكملة المجموع، للسبكي، ١٥٥/١٠. الأشباه، لابن السبكي، ٦٥/١، ٣٠٩. مغني المحتاج، ٤٦١/٢. ولهم في هذا تفاصيل وقيود يرجع إليها. لكنهم يصرحون: أن الأكثر الاعتبار باللفظ.
- ينظر: جامع المسائل، ٨/٣١٨-٣١٩.
- كشف اللثام، مصدر سابق، ٦١٥/٤.
- الحيل الفقهية وعلاقتها بالأعمال المصرفية، عيسى الخلوفي، ص١٥٠. وأيضًا انظر: روضة الطالبين ٣/٨٦. وانظر: الفتاوى الكبرى، ٣/٢٥٥. وإعلام الموقعين ٢٣٠/٤.
- قواعد الأحكام، عز الدين بن عبد السلام، ١٢١/١.
- الفتاوى الكبرى، لابن تيمية، ١٧١/٦.
- الحيل الفقهية بين البوطي وابن القيم الجوزية، لرفيق المصري، ص٢٥٨.
- الحيل الفقهية وعلاقتها بالأعمال المصرفية، مصدر سابق، ص١٨١.
- مجموع الفتاوى، ٤١٢/٢٩.
- انظر: الأحكام الفقهية للوعد تأسيسًا لعمل المؤسسات المالية الإسلامية، صالح اللحيدان، ص٢٣٩.
- الأصل، محمد بن الحسن الشيباني، ٤٦٤/٩.
- ينظر: المصارف الإسلامية ما لها وما عليها، صالح الحصيّن، ص٢٣. التورق المصرفي للصديق الضرير، ص١٩٧. وقرار وأبحاث الدورة التاسعة عشر لمجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن التورق، والدورة الخامسة عشر لمجمع الفقه الإسلامي.
- المعايير الشرعية، معيار التورق. ويُنظر: التأصيل الفقهي للتورق، عبد الله بن منيع، مجلة البحوث الإسلامية (عدد ٧٢، ص٣٧٧). التطبيقات المصرفية للتورق، محمد القري، ص١٠٠. المحرر في فقه التمويل والأعمال المصرفية والأوراق المالية، يوسف الشبيلي، ص٩٨.
- المحرر في فقه التمويل والأعمال المصرفية والأوراق المالية، يوسف الشبيلي، ص٩٨.
- دراسات في قواعد التمويل الإسلامي، نزيه حماد، ٢١.
- ينظر: الحيل الفقهية بين البوطي وابن القيم، رفيق المصري، ص٢١٣ من مجلة حوار الأربعاء ٢٠٠٨م-٢٠٠٩م. إعلام الموقعين، لابن القيم ٢٢٢/٤. المجموع، للنووي، ٤٦/١.